حرب الشرق الأوسط .. كيف تهدد الحرب إمدادات الغذاء عبر سوق الأسمدة؟

حرب الشرق الأوسط تهدد إمدادات الغذاء العالمية



الحرب الجارية في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تدفع بأزمة على مستوى إمدادات الغذاء العالمية، وهي أزمة لها علاقة مباشرة بالحياة اليومية للناس وعلى رأسها: أزمة الأسمدة. ومن هناك، عبر الحقول ثم سلاسل الإمداد، تبدأ رحلة الارتفاعات الجديدة في أسعار الغذاء.

⏱️ آخر تحديث: …

الفاو تحذر من اضطراب كبير في إمدادات الغذاء إذا استمرت الحرب أسابيع أخرى • نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز  • أسعار اليوريا والمنتجات النيتروجينية قفزت بين 30% و40% منذ بداية مارس، مع قفزات أكبر في بعض المراكز الأمريكية • نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة • الخطر يبدأ من الحقول لكنه ينتهي عند الحبوب والأعلاف ثم الألبان واللحوم

رسم ماكسيمو توريرو، كبير خبراء الاقتصاد في منظمة الأغذية والزراعة، خريطة الأزمة بوضوح نادر: النزاع يربط بين سوق الطاقة وسوق الأسمدة والنظام الزراعي الغذائي العالمي في سلسلة واحدة من العدوى الاقتصادية. فكلما طال أمد الحرب، ارتفعت أسعار الطاقة، وازدادت كلفة الأسمدة، ووجد المزارعون أنفسهم أمام قرارات أصعب بشأن ما سيزرعونه، وكم سينفقون، وما إذا كانت الغلال المقبلة ستبقى على مستوياتها المعتادة.

ليست أزمة نفط فقط

غالباً ما تُقرأ الأزمات في الخليج من زاوية النفط أولاً، وهذا مفهوم. لكن التركيز على الخام وحده يخفي الحلقة الأشد حساسية للغذاء العالمي: الأسمدة. فمضيق هرمز ليس ممراً استراتيجياً للطاقة فقط، بل شريان رئيسي لتجارة الأسمدة والمواد الأولية اللازمة لصناعتها، ما يجعل أي اضطراب فيه ينتقل سريعاً من ناقلات الشحن إلى تكاليف الزراعة العالمية.

وتشير بيانات ومنشورات بحثية إلى أن نحو 30% إلى ثلث تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر هذا المضيق، فيما تمثل المنطقة أيضاً مصدراً مهماً لليوريا والأمونيا، وهما من الأعمدة الأساسية في منظومة الأسمدة النيتروجينية. وهذه الحقيقة هي ما يجعل الحرب الحالية مختلفة: إنها تضرب في لحظة واحدة الوقود الذي يحرك الاقتصاد، والمدخل الذي يطعم الزراعة.

لماذا الأسمدة بهذه الأهمية؟

لأن الزراعة الحديثة لم تعد قادرة على الحفاظ على مستويات الغلال الحالية من دونها. تقديرات متداولة في التغطيات الحديثة تشير إلى أن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، وهو ما يفسر لماذا يصبح أي خلل في إنتاجها أو نقلها قضية غذائية عالمية لا مجرد مسألة صناعية متخصصة. وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى نصف تكلفة إنتاج الحبوب، ما يعني أن ارتفاع أسعارها يضغط مباشرة على هامش المزارع وعلى قرار الزراعة نفسه.

الخطر هنا لا يقتصر على الحبوب. فعندما ترتفع كلفة النيتروجين والأمونيا والفوسفات، تتأثر الأعلاف أيضاً، ومن ثم تنتقل العدوى إلى منتجات الألبان واللحوم، كما حذر توريرو نفسه. بعبارة أخرى، ما يبدأ بارتفاع سعر اليوريا قد ينتهي بعد أشهر في سلة تسوق أكثر كلفة على المستهلك النهائي.

قنوات انتقال الصدمة

الحلقة ما الذي يحدث؟ الأثر النهائي
مضيق هرمز تعطل مرور النفط والغاز والأسمدة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن
سوق الأسمدة صعود أسعار اليوريا والأمونيا وتراجع الإمدادات زيادة كلفة الزراعة
الحقول خفض الاستخدام أو تأجيل الشراء في موسم الزراعة انخفاض محتمل في الغلال
الأسواق الغذائية تأثر الحبوب والأعلاف ضغط على أسعار الألبان واللحوم والغذاء عموماً

اليوريا تقفز في توقيت سيئ

الأزمة انفجرت في أسوأ توقيت ممكن تقريباً: قبيل موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي. وفي الولايات المتحدة، تحدثت تقارير عن ارتفاع أسعار استيراد اليوريا بنحو 30% خلال أسبوع واحد في بداية مارس، بينما أشارت تغطيات أخرى إلى ارتفاع المنتجات النيتروجينية بين 30% و40% منذ اندلاع الأزمة، مع قفزات أكبر في بعض نقاط التسعير.

هذا ليس مجرد تقلب سعري عابر. فالمزارع الذي يدخل موسم الزراعة من دون وضوح بشأن الأسعار أو التوريد، قد يشتري أقل مما يحتاج، أو يؤجل الزراعة، أو يغير تركيبة محاصيله  وفي كل سيناريو من هذه السيناريوهات، يكون الإنتاج اللاحق أقل كفاءة، وتكون الفاتورة في نهاية المطاف أعلى على الجميع

من الهند إلى ماليزيا.. القلق يتسع

التأثير لا يتركز فقط في الدول المستوردة النهائية، بل يمتد إلى المصانع التي تعتمد على المواد الأولية والطاقة في إنتاج الأسمدة نفسها. وقد أشارت تقارير إلى أن مصانع في آسيا، من الهند إلى بنغلاديش وماليزيا، تتجه إلى خفض الطلبات أو تقليص الإنتاج أو حتى الإغلاق المؤقت بسبب نقص المدخلات وارتفاع الكلفة، ما يضيف طبقة ثانية من الاختناق فوق مشكلة النقل الأساسية.

وهنا تظهر الطبيعة الحقيقية للأزمة: إنها ليست مجرد نقص في سفينة أو شحنة، بل خلل في شبكة مترابطة من الغاز الطبيعي، والمواد الخام، والنقل البحري، والطاقة، والتمويل الزراعي. وكلما اتسعت هذه الشبكة في التعطل، أصبح التعافي أبطأ حتى لو أعيد فتح الممرات في وقت لاحق.

كيف يتحول اضطراب الأسمدة إلى تضخم غذائي؟

المسار الاقتصادي معروف، لكنه قاسٍ. تبدأ الصدمة بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ثم تنتقل إلى أسعار الأسمدة، فتضغط على تكلفة الزراعة، ثم على الغلال، ثم على أسواق الحبوب والأعلاف، وأخيراً على الألبان واللحوم والسلع الغذائية اليومية. وكلما استمرت الحرب، زادت احتمالات أن يتحول هذا المسار من توقعات إلى واقع سعري يطاول المستهلكين، خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل والأكثر اعتماداً على الاستيراد.

الخطر الأكبر أن هذه الصدمة تأتي في وقت كان فيه التضخم الغذائي العالمي قد بدأ بالكاد يتراجع في بعض الأسواق. ولذلك فإن الأزمة الحالية لا تهدد فقط بإعادة إشعال الأسعار، بل قد تمحو جزءاً من التقدم الذي تحقق بعد سنوات من الاضطرابات المتلاحقة في الطاقة والشحن والحبوب.

ما الذي يراقبه السوق الآن؟

السوق لا يراقب سعر النفط وحده، بل يراقب مدة التعطل. ذلك أن كثيراً من المحللين يشيرون إلى أن حتى إعادة فتح مضيق هرمز سريعاً لن تعني عودة فورية إلى الوضع الطبيعي، لأن إعادة تشغيل الإنتاج واستئناف الشحنات وإعادة جدولة اللوجستيات قد تستغرق أسابيع لا يملكها المزارعون في هذا الوقت من السنة. وهذا ما يجعل الزمن الاقتصادي للأزمة أكثر خطورة من الزمن العسكري نفسه.

لهذا، فإن التحذير الأممي لا يقرأ بوصفه إنذاراً نظرياً، بل كتوصيف مبكر لعدوى بدأت بالفعل: مضيق مضطرب، طاقة أغلى، أسمدة أقل أو أعلى سعراً، زراعة أكثر هشاشة، وغذاء قد يصبح أكثر كلفة على العالم بأسره.

❓ أسئلة شائعة

لماذا تركز التحذيرات على اليوريا تحديداً؟

لأن اليوريا من أهم الأسمدة النيتروجينية وأكثرها تداولاً، والمنطقة الخليجية مورد رئيسي لها، كما أن أسعارها ارتفعت سريعاً منذ بداية الأزمة.

هل التأثير فوري على أسعار الغذاء؟

ليس دائماً فورياً على رفوف المتاجر، لكنه يبدأ سريعاً في تكاليف الزراعة والأسمدة، ثم يظهر لاحقاً في أسعار الحبوب والأعلاف ومنتجات الألبان واللحوم.

ما حجم ارتباط مضيق هرمز بسوق الأسمدة؟

يمر عبره نحو 30% إلى ثلث تجارة الأسمدة العالمية، كما تنطلق من المنطقة نسبة مهمة من صادرات اليوريا والأمونيا.

ما الذي يجعل استمرار الحرب لبضعة أسابيع خطيراً؟

لأن موسم الزراعة الربيعي يجري الآن، وأي تأخير لأسابيع في التوريد أو الإنتاج أو النقل قد يؤثر مباشرة في قرارات الزراعة وحجم الغلال القادمة.

bankofafrica

التعليقات ( 0 )

أضف تعليقاً

1000 / 1000 (Number of characters left) .