في لحظة فارقة في مسار التعليم العالي الصحي بالمغرب، أعلنت جامعة مونديابوليس عن تخريج أول دفعة من الحاصلين على الدبلوم الجامعي في العلاج التقويمي للعظام، بشراكة مع المعهد الفرنسي المغربي للعلاج التقويمي للعظام (IFMO). هذا التتويج الأكاديمي لا يمثل فقط حدثًا احتفاليًا، بل يشكل منعطفًا نوعيًا في هيكلة مهنة واعدة تُدرج لأول مرة ضمن المسارات الجامعية الرسمية في المملكة.
ولادة تخصص أكاديمي بمواصفات دولية
شهد حرم الروداني لجامعة مونديابوليس احتفالًا استثنائيًا بتخريج 20 مهنيًا في الصحة، من أطباء وأخصائيي علاج فيزيائي وغيرهم، ممن أنهوا برنامجًا صارمًا يجمع بين التكوين النظري، التدريب التطبيقي، والاحتكاك المباشر بالوسط العيادي. ويعكس هذا البرنامج الأكاديمي رغبة مشتركة بين الجامعة والـIFMO في ترسيخ العلاج التقويمي للعظام كمسار علمي ومهني معتمد في المغرب.
وقال عبد المنعم بلعالية، المدير العام للجامعة:
“نفخر بإطلاق أول دبلوم جامعي في هذا التخصص العلاجي الناشئ، وهو تتويج لاستراتيجية تستشرف الطلب المتزايد على هذه المهنة في ظل استعداد المغرب لاحتضان فعاليات رياضية قارية ودولية كبرى.”
تكريم رمزي لفوج التأسيس
كان الحفل مناسبة للاحتفاء بهذا الإنجاز التاريخي، حيث تم تكريم الخريجين أمام جمهور من المهنيين، الأساتذة، وممثلي الهيئات الصحية. وتميزت المناسبة بكلمة السيدة ليلى فركوكي بالقاسم، عرابة الفوج، التي قالت:
“إنه حدث مفصلي في مهنة العلاج الفيزيائي. اليوم نحتفي بخريجين سيقودون مستقبل العلاج التقويمي في المغرب برؤية علمية ومهنية تتماشى مع المعايير العالمية.”
هندسة بيداغوجية هجينة ومتقدمة
يُعد البرنامج المبتكر للدبلوم الجامعي في العلاج التقويمي للعظام نموذجًا يحتذى به، حيث يعتمد مقاربة هجينة توفّق بين:
- دروس نظرية معمّقة.
- ورشات تطبيقية.
- تداريب سريرية ميدانية.
- إشراف مباشر من خبراء دوليين.
وأكد محمد بوغرارة، مدير الـIFMO، أن هذا النموذج يهدف إلى تكوين ممارسين متمكنين من أساسيات علم التشريح، الميكانيكا الحيوية، والممارسة السريرية، بما يتماشى مع الحاجيات الواقعية للميدان.
تقنين المهنة وتجسير التكامل العلاجي
إطلاق هذا التكوين الجامعي يأتي في سياق رغبة حقيقية لدى الأطراف الفاعلة في تنظيم وتأطير مهنة العلاج التقويمي للعظام، وتحويلها من ممارسة فردية إلى مهنة مُقننة ذات مرجعية أكاديمية. ويخدم هذا المشروع أهدافًا استراتيجية كبرى، منها:
- الرفع من جودة الرعاية الصحية عبر إدماج تخصصات جديدة فعالة.
- تعزيز التكامل العلاجي بين مختلف التخصصات مثل الطب العام، العلاج الفيزيائي، وإعادة التأهيل.
- تهيئة أجيال جديدة من الممارسين المؤهلين لتلبية الطلب المتزايد على الصحة الوظيفية والوقائية.
نحو بناء منظومة صحية مرنة ومندمجة
الرهان اليوم، كما يرى المسؤولون في جامعة مونديابوليس، لا يقتصر على تأطير مهنة جديدة، بل يتجاوز ذلك نحو:
- فتح آفاق الشغل لآلاف المهنيين في المستقبل.
- إرساء نواة أكاديمية لتخصص يُتوقع أن يزداد إشعاعه.
- ربط المغرب بشبكات التكوين العالمية في الطب اليدوي الحديث.
وفي هذا الإطار، تعتزم الجامعة إطلاق دفعة ثانية من هذا التكوين مع بداية الموسم الجامعي القادم، وفق معايير انتقائية دقيقة، وبشراكة موسّعة مع مؤسسات وهيئات طبية مرجعية.
آفاق مستقبلية لتكريس الاحترافية
بالإضافة إلى الجانب الأكاديمي، يتطلع البرنامج إلى ترسيخ العلاج التقويمي للعظام كرافعة أساسية للرعاية الصحية الشاملة في المغرب، سواء من خلال:
- إدماجه في منظومة العلاجات الأساسية.
- تشجيع البحث العلمي والتكوين المستمر في المجال.
- إنشاء شبكات وطنية للتدريب والتطبيق العيادي.
وأكد بلعالية أن التكوين لا يهدف فقط إلى تأطير تقني، بل إلى:
“إعداد مهنيين صحيين قادرين على التفاعل مع التحولات الكبرى في أنظمة الصحة، وخاصة في ظل الدينامية التي يعرفها المغرب على المستويين القاري والدولي.”
الجامعة كمُحفز لتحول المنظومة الصحية
من خلال هذا الإنجاز، تؤكد جامعة مونديابوليس التزامها بمهمتها التكوينية والاجتماعية في آنٍ واحد. إنها لا تكتفي بتخريج أطر كفؤة، بل تساهم في بناء نظام صحي مغربي أكثر توازنًا وشمولًا واستشرافًا.
ويبدو أن العلاج التقويمي للعظام لم يعد مجرد ممارسة هامشية، بل بات اليوم تخصصًا أكاديميًا كاملًا يتأهب ليأخذ مكانه الطبيعي ضمن خارطة الرعاية الصحية في المملكة.

التعليقات ( 0 )