في تحول استراتيجي يعكس مساعي الصين نحو الاستقلالية الرقمية، أعلنت شركة هواوي مؤخرًا عن إطلاق أول حاسوب محمول بنظام هارموني (HarmonyOS). وهو النظام الذي طوّرته الشركة داخليًا ليكون بديلًا محليًا للأنظمة الأميركية مثل “ويندوز” و”أندرويد”. تأتي هذه الخطوة في ظل توتر متصاعد بين بكين وواشنطن، ووسط قيود تكنولوجية متزايدة تفرضها الولايات المتحدة على قطاع التكنولوجيا الصيني.

من الهواتف إلى الحواسيب: توسّع تدريجي لنظام “هارموني”
كانت بداية ظهور نظام هارموني في سوق الأجهزة الذكية العام الماضي. وتحديدًا في هواتف هواوي الذكية. إلا أن العمل على هذا النظام بدأ مبكرًا منذ عام 2015، كردّ مباشر على المخاطر الجيوسياسية المحتملة وتضييق الخناق على استخدام الأنظمة الغربية. وبعد نجاح النظام في الهواتف، اتجهت هواوي لتوسيع قاعدة استخدامه ليشمل الحواسيب المحمولة، في خطوة تعكس نضوج النظام واستعداده لمنافسة أنظمة التشغيل الكبرى على الساحة العالمية.
MateBook Fold وMateBook Pro: بداية جديدة لأنظمة الحوسبة الصينية
في إطار هذا التوسع، كشفت هواوي عن جهازين محمولين يعملان بنظام “هارموني”، الأول هو MateBook Fold الذي يتميز بشاشة كبيرة قابلة للطي بحجم 18 بوصة. وتعمل هذه الشاشة المزدوجة كمزيج بين لوحة مفاتيح وشاشة عرض تفاعلية. ما يمنح الجهاز طابعًا هجينيًا يجمع بين الابتكار والعملية. أما الجهاز الثاني، MateBook Pro، فيأتي بتصميم تقليدي أكثر لمحبي الحواسيب الكلاسيكية.
ورغم أن الشركة لم تفصح بعد عن المواصفات التقنية التفصيلية لكل جهاز، إلا أنها أكدت أن الأجهزة مدعومة بشرائح وعتاد قوي يدعم السعر المرتفع نسبيًا، حيث يبدأ سعر MateBook Fold من 3400 دولار أميركي، ما يشير إلى استهداف فئة المستخدمين المحترفين ورواد الأعمال.
نظام “هارموني”: بدائل محلية لمنافسة العمالقة
أهم ما يميّز حاسوب هواوي بنظام هارموني ليس العتاد فقط، بل النظام البرمجي الذي تم تطويره كليًا داخل الصين. وفق تصريحات هواوي، فإن HarmonyOS يدعم أكثر من 150 تطبيقًا متنوعًا. من ضمنها بدائل كاملة لتطبيقات مايكروسوفت أوفيس وأدوبي، وهو ما يعكس مساعي هواوي لبناء بيئة برمجية متكاملة لا تعتمد على الشركات الغربية.
كما ذكرت الشركة أن هناك أكثر من 7.2 ملايين مطور يساهمون في بناء وتطوير تطبيقات النظام، ما يعكس اهتمامًا واسعًا داخل منظومة المطورين الصينيين وخارجها، مع الإشارة إلى أن النظام قد تم تثبيته أكثر من مليار مرة على مختلف الأجهزة حتى اليوم.
التوجه نحو الاستقلال التكنولوجي في مواجهة الضغوط الأميركية
لا يمكن فصل إطلاق حاسوب هواوي الجديد عن السياق السياسي والاقتصادي المحيط بالصراع الأميركي الصيني. فقد فرضت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة عقوبات صارمة على شركات صينية رائدة. على رأسها هواوي، منعتها من الوصول إلى تقنيات ومكونات أساسية مثل الرقائق المتقدمة. والأنظمة التشغيلية الغربية، مما دفع هواوي إلى تعزيز استثماراتها في البحث والتطوير والابتكار الداخلي.
يُنظر إلى حاسوب هواوي بنظام هارموني كخطوة بالغة الأهمية في مسار بناء منظومة تكنولوجية صينية متكاملة. لا تعتمد على الأطراف الغربية، وتتماشى مع توجهات الصين في حماية سيادتها الرقمية وتخفيف تبعيتها الخارجية.
هل ينجح “هارموني” في منافسة “ويندوز” و”ماك”؟
رغم أن هواوي حققت نجاحات كبيرة في تصنيع الأجهزة الذكية، فإنها تواجه تحديات ضخمة في إقناع المستخدمين العالميين بالتحول إلى نظام تشغيل جديد. خاصة في ظل الهيمنة شبه الكاملة لـ”مايكروسوفت ويندوز” و”ماك أو إس”. ومع ذلك، فإن الدعم الحكومي الصيني الهائل، ونمو الوعي الوطني بأهمية السيادة الرقمية. والتصميم الجاد من هواوي على التطوير المستمر، قد تجعل من “هارموني” منافسًا جديًا خلال السنوات المقبلة.
يأتي إطلاق حاسوب هواوي بنظام هارموني كتعبير عن فصل جديد في قصة التنافس التكنولوجي العالمي. حيث تسعى الصين لبناء عالم رقمي موازٍ، تكون فيه الكلمة الفصل للمنتجات والخدمات المحلية. ومع استمرار القيود الغربية، فإن رهانات الشركات الصينية الكبرى على الابتكار والاستقلالية أصبحت ضرورة استراتيجية أكثر من كونها خيارًا.

التعليقات ( 0 )