فتح تحقيق برلماني في ولاية تكساس ضد منصة روبلوكس Roblox للألعاب الإلكترونية بعد ظهور لعبة من إنتاج مستخدمين تحاكي مجزرة مدرسة Robb Elementary في أوفالدي، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول مسؤولية المنصات الرقمية عن حماية الأطفال من المحتويات الصادمة والاستغلال على الإنترنت.
لعبة مثيرة للجدل تعيد فتح جراح أوفالدي
انطلقت شرارة التحقيق حين تم رصد لعبة داخل منصة روبلوكس Roblox تحاكي، في وضعية تصويب من منظور الشخص الأول، أحداث إطلاق النار الجماعي الذي استهدف مدرسة Robb Elementary في مدينة أوفالدي سنة 2022. اللعبة أتاحت للمستخدمين “القيام بدور” منفذ الهجوم، ما أثار موجة غضب واسعة لدى عائلات الضحايا والرأي العام في تكساس.
رئيس مجلس نواب تكساس، داستن بروز، أعلن تكليف لجنة الشؤون العامة في المجلس بفتح تحقيق رسمي في ما وصفه بـ”إخفاقات خطيرة” في منظومة مراقبة المحتوى لدى Roblox، معتبراً أن السماح بمثل هذه اللعبة على المنصة بعد المأساة الحقيقية يمثل فشلاً أخلاقياً وتنظيمياً لا يمكن غض الطرف عنه.
منصة عالمية مبنية على محتوى المستخدمين تستقطب ملايين القاصرين
روبلوكس تعد من أكبر منصات الألعاب في العالم، إذ تسمح للمستخدمين بإنشاء ألعابهم الخاصة ونشرها ليستمتع بها آخرون على الحواسيب والهواتف وأجهزة اللعب. المنصة تعتمد إلى حد كبير على المحتوى الذي ينتجه المستخدمون أنفسهم، ما يمنح مساحة واسعة للإبداع، لكنه يفتح أيضاً باباً واسعاً لاحتمالات إساءة الاستخدام.
ما يزيد حساسية الوضع أن جزءاً مهماً من قاعدة مستخدمي Roblox من الأطفال دون سن الثالثة عشرة. هذا المعطى يجعل أي ثغرة في مراقبة المحتوى أو حماية الخصوصية والسلامة الرقمية لهؤلاء القاصرين موضع مساءلة تشريعية قوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحتويات عنيفة أو صادمة تتناول وقائع حقيقية قريبة زمنياً.
بعد الجدل الذي أثير، أُزيلت اللعبة التي تحاكي مجزرة أوفالدي من على المنصة، وأكد متحدث باسم Roblox أن السلوكات والمحتويات التي تروج للتطرف العنيف أو تجسد أحداثاً واقعية حساسة في شكل لعبة تتعارض مع سياسات الشركة، وأن الحسابات التي تنشر مثل هذه الأعمال تتعرض للحظر فوراً عند اكتشافها.
أسئلة صعبة حول المراقبة، والتحقق من السن، وحماية الأطفال
التحقيق الذي أمر به رئيس مجلس النواب في تكساس لا يقتصر على لعبة أوفالدي وحدها، بل يتوسع ليشمل أربعة محاور رئيسية اعتبرها المشرعون نقاط ضعف محتملة في منظومة Roblox. أول هذه المحاور هو مدى فعالية آليات ضبط المحتوى، سواء تلك المعتمدة على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي أو فرق المراقبة البشرية، وقدرتها على رصد ومنع ظهور تجارب لعب تجسد أحداثاً دموية حقيقية أو تحض على العنف.
المحور الثاني يتعلق بآليات التحقق من العمر والحصول على موافقة الوالدين، ومدى انسجام هذه الآليات مع قوانين حماية الطفل المعمول بها في الولاية وعلى المستوى الفدرالي. أما المحور الثالث فيركز على مخاطر التواصل بين القاصرين وأشخاص بالغين مجهولين داخل المنصة، وما قد ينشأ عن ذلك من استدراج أو تحرش أو تنمر.
المحور الرابع والأخطر يتناول شكايات مرتبطة بالاستغلال والاعتداء الجنسيين على قاصرين، يُشتبه في أن بعض الحالات تمت عبر Roblox أو باستعمالها كقناة اتصال أولية، وهو ما يدفع المشرعين إلى التساؤل حول ما إذا كانت الشركة توفر أدوات كافية للتبليغ والتدخل السريع، وهل تستجيب بالشكل المناسب عند الإبلاغ عن سلوكيات مفترسة تستهدف الأطفال.
رئيس لجنة الشؤون العامة، النائب كين كينغ، وصف إطلاق لعبة تحاكي مجزرة Robb Elementary بأنه “إخفاق كارثي”، مؤكداً أن اللجنة لن تترك الأمر دون رد، متهماً المنصة ببناء نشاط تجاري بمليارات الدولارات على ظهور الأطفال مع التقصير في حمايتهم في أكثر الجوانب أساسية.
تاريخ من الدعاوى المرتبطة بالسلامة الرقمية والاستغلال الجنسي
تحقيق تكساس يأتي في سياق ضغط قانوني متزايد على Roblox من ولايات أمريكية مختلفة. ففي نهاية سنة 2025، رفع المدعي العام لولاية تكساس دعوى ضد الشركة، متهماً إياها بعدم احترام قوانين السلامة على الإنترنت، والسماح بتعرّض الأطفال لمحتويات جنسية صريحة ولخطر الاستغلال، وهي قضية لا تزال أمام المحاكم.
في بداية 2026، وافقت Roblox على دفع أكثر من 12 مليون دولار في إطار تسوية مع ولاية نيفادا، بعد اتهامات بأنها لم توفر الحماية الكافية للمستخدمين الصغار من المتحرشين على الإنترنت. في ولايات أخرى مثل فلوريدا وكنتاكي ونبراسكا، رُفعت دعاوى إضافية تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال وضعف آليات المنصة في الكشف المبكر عن هذه السلوكيات.
إلى جانب هذه القضايا، توجد دعاوى جماعية فيدرالية تجمع عشرات الملفات لأسر تدّعي أن أطفالها تعرضوا لاعتداءات أو استغلال عبر المنصة أو بسببها. هذا التراكم القضائي يعزز الصورة السلبية لدى جزء من الرأي العام، ويزيد من حدة المطالبة بتشديد الرقابة على Roblox وعلى المنصات المشابهة التي تستهدف جمهورا واسعاً من القاصرين.
تحقيق تكساس مع منصة روبلوكس : موازنة حساسة بين نموذج المنصة المفتوحة وأمن الفئات الهشة
قضية لعبة أوفالدي تطرح أسئلة أعمق من مجرد حذف تجربة لعب مسيئة؛ فهي تعري التوتر الكامن بين نموذج الأعمال القائم على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، وبين الالتزامات القانونية والأخلاقية الملقاة على عاتق الشركات لحماية الأطفال. ترك هامش واسع للإبداع يعني بالضرورة احتمال ظهور محتويات صادمة أو غير أخلاقية، خصوصاً عندما يكون جزء مهم من المستخدمين من القصر.
من جهة، يرى المدافعون عن حرية التعبير أن الإفراط في تقييد المنصات قد يخنق الإبداع ويحوّلها إلى فضاءات عقيمة. ومن جهة أخرى، يذكّر المشرعون وعائلات الضحايا بأن حرية التعبير لا يمكن أن تُستعمل ذريعة لتحويل مآسي حقيقية، مثل مجزرة أوفالدي، إلى ألعاب ترفيهية يشارك فيها أطفال لا يزالون في طور التكوين النفسي والعاطفي.
في ضوء التحقيقات الجارية، يُنتظر أن تفرز ولاية تكساس، وربما ولايات أخرى، تشريعات أو توصيات جديدة تخص منصات الألعاب الموجهة للأطفال، تشمل تشديد آليات التحقق من العمر، وفرض متطلبات أكثر صرامة في ما يتعلق بمراقبة المحتوى، وتمكين الأولياء من أدوات أوضح لمتابعة نشاط أبنائهم واختيار مستوى الحماية المناسب لهم.
هكذا يتحول ملف تحقيق تكساس مع منصة روبلوكس من حادثة معزولة إلى جزء من نقاش أوسع حول مستقبل المنصات الرقمية التي تبني نماذجها الاقتصادية على تفاعل القاصرين، وحول الحدود الفاصلة بين العالم الافتراضي ومسؤوليات العالم الواقعي عندما يتعلق الأمر بأمن الأطفال وكرامتهم وحقهم في استعمال تكنولوجيا لا تعيد إنتاج العنف الحقيقي في صورة لعبة.

التعليقات ( 0 )