حين تعيد كندا ترتيب سياسة الهجرة خلال المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال فقط عن عدد المهاجرين الذين ستستقبلهم، بل عن نوعية الأشخاص والمهارات التي يحتاج إليها اقتصادها، وهو ما يجعل الجميع يتساءل : ما هي المهن المطلوبة في كندا؟
فخلف النقاش حول مستويات الهجرة الجديدة توجد مشكلة أكثر عمقاً: سوق العمل الكندي مقبل على سنوات ستغادر خلالها أعداد كبيرة من العاملين وظائفهم بسبب التقاعد، في الوقت الذي تواجه فيه قطاعات حيوية أصلاً صعوبة في العثور على ما يكفي من الأطباء والممرضين والحرفيين والمهندسين والمدرسين والتقنيين.
وتكشف أحدث التوقعات الرسمية للنظام الكندي للتوقعات المهنية COPS أن 103 مهن من أصل 485 مهنة تمت دراستها معرضة لخطر نقص طويل الأمد خلال الفترة 2024-2033. وتتركز هذه المهن بصورة خاصة في الصحة والبناء والحرف والعلوم التطبيقية والتعليم وبعض مجالات النقل والصناعة والزراعة.
اقرأ هذا الموضوع ذي الصلة :
أسابيع تفصل كندا عن خطة هجرة جديدة.. والفرنسية قد تكون ورقة مهمة للمغاربة
الأرقام تفسر جانباً مهماً من التحول الذي تشهده سياسة الهجرة الكندية. فخطة 2026-2028 تجعل الهجرة الاقتصادية أكبر مكونات الهجرة الدائمة، لترتفع حصتها إلى نحو 64 في المائة من مجموع المقبولين في 2027 و2028، مع تأكيد الحكومة أن الأولوية ستكون للمواهب القادرة على سد فجوات سوق العمل في المهن المطلوبة.
مما هي المهن المطلوبة في كندا خلال السنوات المقبلة؟
تشير التوقعات الرسمية حتى 2033 إلى أن النقص سيتركز بصورة خاصة في العاملين في الصحة، والبناء والحرف المتخصصة، وبعض المهن الهندسية والتقنية، والتعليم والخدمات الاجتماعية، والنقل والطيران، إلى جانب أجزاء من الصناعة والزراعة. وتستخدم كندا بالفعل عدداً من هذه القطاعات في اختيارات Express Entry، ما يكشف عن تقارب متزايد بين حاجيات سوق العمل وسياسة اختيار المهاجرين.
أكثر من 8 ملايين فرصة ستفتحها سوق العمل
المسألة لا ترتبط فقط بنمو الاقتصاد. إذ تتوقع الحكومة الكندية ظهور نحو 8.1 ملايين فرصة عمل خلال الفترة 2024-2033. ومن بينها نحو 2.6 مليون وظيفة ناتجة عن توسع النشاط الاقتصادي، بينما سيأتي القسم الأكبر من الحاجة إلى العمال من تعويض المغادرين، خصوصاً المتقاعدين.
وتقدر التوقعات أن نحو 5.5 ملايين فرصة ستنتج عن الحاجة إلى تعويض العاملين، منها حوالي 4.3 ملايين مرتبطة بالتقاعد.
وبذلك سيشكل تعويض العاملين المغادرين نحو 68 في المائة من مجمل فرص العمل المتوقعة خلال هذه الفترة.
وهنا تظهر أهمية الهجرة بالنسبة لكندا: المشكلة ليست فقط خلق وظائف جديدة، وإنما إيجاد أشخاص يمتلكون المهارات المناسبة لشغل مواقع سيتركها ملايين العاملين خلال السنوات المقبلة.
الصحة.. القطاع الذي يصعب تجاوزه
إذا كان هناك قطاع مرشح للبقاء في قلب سياسة استقطاب الكفاءات، فهو الصحة.
فمن بين المهن التي تتوقع كندا مواجهتها نقصاً حتى 2033 توجد 34 مهنة مرتبطة بالصحة، تشمل الأطباء العامين والمتخصصين والجراحين وأطباء الأسنان والصيادلة وعلماء النفس وأخصائيي العلاج الطبيعي والممرضين وتقنيي المختبرات الطبية وتقنيي الأشعة ومساعدي التمريض ومهناً صحية أخرى.
وتوضح حالة الممرضين حجم المشكلة. فالتوقعات الرسمية تشير إلى نحو 179,800 فرصة عمل للممرضين المسجلين وممرضي الطب النفسي بين 2024 و2033، مع استمرار خطر قوي لنقص العمالة في هذه المهنة.
ويرتبط ذلك بعاملين رئيسيين: شيخوخة السكان الكنديين وزيادة الطلب على الخدمات الصحية، إلى جانب الحاجة إلى تعويض أعداد كبيرة من العاملين الذين سيغادرون المهنة.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تضع كندا الصحة والخدمات الاجتماعية ضمن فئات Express Entry التي جرى تجديدها في 2026.
البناء والحرف.. أزمة السكن تخلق حاجة طويلة الأمد
القطاع الثاني الذي يبرز بقوة هو البناء والحرف المتخصصة. فالتوقعات الحكومية تشير إلى 28 مهنة ضمن الحرف والبناء والنقل والمعدات معرضة لنقص طويل الأمد، وتشمل الكهربائيين والسباكين والنجارين واللحامين وفنيي التدفئة والتبريد والتكييف وميكانيكيي المعدات الثقيلة ومديري البناء ومديري بناء وتجديد المنازل وغيرها.
والأرقام الخاصة ببعض هذه المهن لافتة.
فكندا تتوقع نحو 56,300 فرصة عمل للكهربائيين بين 2024 و2033، مع معدل نمو سنوي للعمالة يبلغ 2.6 في المائة، وهو أعلى من المتوسط الوطني المتوقع.
أما النجارة، فتشير التوقعات إلى نحو 44,700 فرصة خلال الفترة نفسها، مع خطر قوي لنقص اليد العاملة. ويربط التقرير الرسمي جزءاً من هذه الحاجة بأزمة السكن، وبناء مساكن جديدة، والانتقال إلى بنى تحتية أكثر استدامة.
وتنسجم هذه الاحتياجات مباشرة مع سياسة الهجرة الحالية، إذ تشير الحكومة عند شرح فئات Express Entry إلى مهن مثل النجارة والسباكة والتشغيل الميكانيكي، وتربطها صراحة بمشاريع السكن والبنية التحتية.
الهندسة والأمن السيبراني.. التكنولوجيا ولكن بانتقائية
لا تعني عبارة «وظائف التكنولوجيا» أن جميع المهن الرقمية ستواجه نقصاً. كما أن التوقعات الكندية تضع 12 مهنة في العلوم الطبيعية والتطبيقية ضمن قائمة المخاطر المستقبلية.
ومن بينها مهندسو الهندسة المدنية والميكانيكية والكهربائية والإلكترونية والصناعية، وتقنيو الهندسة، ومتخصصو الأمن السيبراني، وبعض تخصصات إلكترونيات وأجهزة الطائرات.
ومتخصصو الأمن السيبراني، على سبيل المثال، مصنفون ضمن المهن المعرضة لخطر متوسط من النقص حتى 2033، مع توقع نحو 15,900 فرصة عمل خلال الفترة. وتشير التوقعات الحكومية إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والحوسبة والتقنيات الرقمية سيزيد الحاجة إلى حماية الأنظمة من التهديدات الإلكترونية.
لكن هناك تفصيل مهم. فمطورو ومبرمجو البرمجيات، رغم توقع أكثر من 76 ألف فرصة عمل لهم حتى 2033، لا تصنفهم التوقعات الحالية ضمن المهن التي ستعاني نقصاً على المستوى الوطني، لأن عدد الداخلين إلى المهنة مرشح أيضاً للارتفاع بقوة.
وهذا يكشف عن تغير مهم في سياسة الهجرة: امتلاك تخصص تقني وحده قد لا يكون كافياً؛ ما يهم بصورة متزايدة هو وجود نقص فعلي في التخصص الدقيق.
التعليم.. 75 ألف فرصة لمدرسي الثانوي وحدهم
قطاع التعليم بدوره مرشح للبقاء ضمن المجالات التي تحتاج إلى عمال جدد.
تضم قائمة النقص المتوقعة مدرسي المدارس الثانوية والابتدائية ورياض الأطفال، ومربي الطفولة المبكرة، ومساعدي المدرسين، والعاملين الاجتماعيين وبعض وظائف الخدمات المجتمعية.
وبالنسبة إلى مدرسي التعليم الثانوي وحدهم، تتوقع كندا نحو 75 ألف فرصة عمل خلال الفترة 2024-2033.
واللافت أن القسم الأكبر لن ينتج عن خلق مناصب جديدة، بل عن الحاجة إلى تعويض المغادرين، إذ تشكل احتياجات الاستبدال حوالي 74 في المائة من الفرص المتوقعة في هذه المهنة.
ولهذا حافظت كندا على التعليم ضمن فئات Express Entry في 2026، كما تضعه ضمن القطاعات التي يجري النظر إليها عند تحديد أولويات 2027.
الطيران والنقل.. احتياجات تتجاوز سائقي الشاحنات
قطاع النقل يستحق بدوره الانتباه.
تضع التوقعات طويلة الأجل ضمن المهن المعرضة للنقص ميكانيكيي الطائرات ومفتشيها، والطيارين ومهندسي الطيران ومدربي الطيران، وسائقي الشاحنات، وبعض تقنيي ومصلحي المركبات ومهن النقل الأخرى.
وبالنسبة إلى ميكانيكيي الطائرات ومفتشيها، تتوقع الحكومة نحو 9,500 فرصة عمل حتى 2033، مع نمو في العمالة أسرع من المتوسط الوطني وخطر متوسط من استمرار النقص.
وقد أصبحت مهن النقل بالفعل إحدى فئات Express Entry لعام 2026، وتشمل الحكومة ضمن الأولويات الحالية عدداً من المهن المرتبطة بالطيران والنقل.
لكن ينبغي التمييز بين قائمة المهن التي تتوقع كندا نقصاً فيها على مستوى سوق العمل وبين القائمة الدقيقة للمهن المؤهلة في كل برنامج هجرة، فهما ليستا الشيء نفسه.
الصناعة والزراعة.. مهن أقل شهرة لكنها مطلوبة
بعيداً عن الصحة والهندسة، تظهر مجموعة من المهن التي لا تحظى عادة بالاهتمام نفسه لدى الراغبين في الهجرة.
التوقعات طويلة الأمد تشير إلى نقص محتمل في عمال متخصصين في تربية الماشية وتشغيل الآلات الزراعية، وعمال الحصاد والمشاتل والبيوت الزراعية وبعض المهن المرتبطة بالمناجم.
كما تشمل القائمة عدداً من وظائف التصنيع، بينها عمال الصناعات الغذائية واللحوم والأسماك وتصنيع المعادن والخشب والورق وبعض المعدات الكهربائية.
ويرتبط جزء كبير من الطلب في هذه المجالات بالتقاعد وتعويض العاملين الحاليين أكثر من ارتباطه بنمو سريع في عدد الوظائف.
لماذا يمكن أن تصبح هذه المهن أساساً لسياسة الهجرة الجديدة؟
الجواب يظهر عند جمع ثلاثة قرارات واتجاهات معاً. أولاً، كندا قررت خفض النمو الإجمالي للهجرة المؤقتة واستقرار مستويات الإقامة الدائمة، أي أن النظام يتجه نحو اختيار أكثر دقة بدلاً من الاعتماد على زيادة الأعداد.
ثانياً، سترتفع حصة الهجرة الاقتصادية إلى نحو 64 في المائة من إجمالي المقبولين للإقامة الدائمة في 2027 و2028، وهي أعلى حصة منذ عقود.
وثالثاً، تؤكد الحكومة أن Express Entry سيستخدم بصورة أكبر لاستقطاب أصحاب المهارات والخبرات التي يحتاج إليها الاقتصاد، فيما تدرس في أولويات 2027 الاستمرار في التركيز على النقص طويل الأمد في الصحة والحرف والبناء والتعليم وSTEM والنقل، مع إمكانية تضييق بعض الفئات لتصبح أكثر استهدافاً.
وهذا يعني أن العلاقة بين «المهنة التي يحتاج إليها الاقتصاد» و«فرص الاختيار عبر الهجرة الاقتصادية» قد تصبح أوضح في المرحلة المقبلة.
الفرنسية قد تضيف ورقة ثانية للمغاربة
بالنسبة إلى المرشحين من المغرب، توجد خصوصية أخرى. فكندا لا تبحث فقط عن مهن معينة، وإنما ترفع في الوقت نفسه أهداف الهجرة الفرنكوفونية خارج كيبيك.
وتدرس وزارة الهجرة استمرار الفرنسية ضمن أولويات الاختيار لعام 2027، إلى جانب المهن التي تعاني نقصاً طويل الأمد. كما توضح الوزارة أن الأولويات يمكن أن تتقاطع؛ فقد يكون المرشح ناطقاً بالفرنسية وفي الوقت نفسه يملك خبرة في مهنة تعاني نقصاً.
وهنا يمكن أن يصبح ملف يجمع بين الفرنسية القوية ومهنة مثل التمريض أو الهندسة المدنية أو الكهرباء أو التعليم أو إحدى المهن التقنية أكثر انسجاماً مع الاتجاه العام الذي تتبعه كندا. لكن ذلك لا يعني قبولاً آلياً، فكل برنامج يملك شروطه ونظام نقاطه ومتطلبات الخبرة واللغة والمؤهلات.
قائمة المهن المطلوبة ليست تصريح هجرة
هناك نقطة أساسية ينبغي ألا يغفل عنها أي راغب في الهجرة. أن تكون المهنة مصنفة ضمن المهن التي تعاني نقصاً لا يعني أن صاحبها يحصل تلقائياً على تأشيرة أو إقامة دائمة.
كما أن عدداً كبيراً من المهن، خصوصاً الطب والتمريض والهندسة والتعليم وبعض الحرف المنظمة، يحتاج إلى تراخيص أو اعتراف بالمؤهلات من الجهة المختصة في المقاطعة التي سيعمل فيها الشخص.
وحتى في Express Entry، يتعين على المرشح أولاً استيفاء شروط أحد البرامج التي يديرها النظام، ثم شروط الفئة المحددة والحصول على ترتيب يسمح له بتلقي دعوة.
خريطة جديدة حتى 2035 قيد الإعداد
الأكثر إثارة للاهتمام أن الأرقام الحالية قد لا تكون الكلمة الأخيرة.
فالنظام الكندي للتوقعات المهنية COPS يعمل حالياً على إعداد توقعات جديدة تغطي الفترة 2026-2035، وأعلن أن النتائج ستُنشر تدريجياً ابتداء من خريف 2026.
وستكون هذه البيانات بالغة الأهمية لأنها ستكشف بشكل أكثر حداثة عن المهن التي سيحتاج إليها الاقتصاد الكندي خلال العقد المقبل، في وقت تستعد فيه الحكومة نفسها لإعادة تحديد أولويات الهجرة الاقتصادية.
وبالنسبة للراغبين في الهجرة إلى كندا، قد يصبح السؤال الأكثر فائدة خلال المرحلة المقبلة أقل ارتباطاً بعبارة «ما أسهل برنامج للهجرة؟» وأكثر ارتباطاً بسؤال آخر:
ما المهارات التي ستحتاج إليها كندا خلال السنوات العشر المقبلة، وهل أمتلك واحدة منها؟
ذلك هو الاتجاه الذي تبدو السياسة الكندية الجديدة أقرب إلى السير نحوه: أعداد أكثر انضباطاً، وهجرة اقتصادية أكثر استهدافاً، ومنافسة أكبر على الأشخاص الذين يمتلكون المهارات التي يصعب على سوق العمل المحلي توفيرها.

التعليقات ( 0 )